مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

163

شرح فصوص الحكم

( فثبت من هذا الوجه ) وهو اعتباره من حيث الأسماء والصفات ( أن رحمته وسعت كل شيء ) اسما كان أو عينا ( فوسعت الحق ) لأنه عين الأسماء من وجه ، فكان الحق مرحوما من حيث الأسماء وليس مرحوما بحسب الذات فثبت بلسان الخصوص أن الحق كان راحما ومرحوما بهذا الوجه فعلى لسان الخصوص ( فهي ) أي الرحمة ( أوسع من القلب ) لشمولها القلب والحق من حيث أسمائه والقلب لا يسع نفسه ( أو مساوية له في السعة ) باعتبار أن القلب يسع نفسه من حيث الإحاطة العلمية ( هذا مضى ) أي تمّ الكلام في القلب والرحمة وسعتهما ( ثم ليعلم أن الحق تعالى كما ثبت في الخبر الصحيح يتحول في الصور عند التجلي ) لأهل الحشر في يوم القيامة ( و ) لتعلم ( أن الحق ) تعالى ( إذا وسعه القلب لا يسعه ) أي لا يسع القلب ( معه ) أي مع الحق ( غيره ) أي غير الحق ( من المخلوقات ) بيان لغير الحق ( فكأنه يملأه ) أي فكان الحق يملأ القلب ( ومعنى هذا ) القول ( أنه ) أي القلب ( إذا نظر إلى الحق عند تجليه له لا يمكن ) للقلب ( معه ) أي مع نظره إلى الحق ( أن ينظر ) معه ( إلى غيره ) لغيبوبة الغير عن نظره بسبب نظره إلى الحق عند تجلي الحق فلا يمنع ذلك التجلي وجود الغير مع الحق في القلب وإنما يمنع نظره إلى الغير فكانت الغيرية مسلوبة في نظره لظهور الحق له في كل شيء فما نظر إلى شيء إلا والحق يظهر له فيه وفي الحقيقة لا يسع نظر القلب إذا نظر إلى الحق مع الحق أو غير الحق ( وقلب العارف من السعة كما ) أي مثل الذي ( قال أبو يزيد البسطامي « 1 » لو أن العرش وما حواه ) أي مع ما اشتمل عليه ( مائة ألف ألف مرة ) أي بحيث لا يعدّ ولا يحصى إلا اللّه ( في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به ) لأن القلب يسع تجليات غير متناهية والعرش وما حواه على أيّ وجه يفرض يكون متناهيا والقلب الواسع بتجليات غير متناهية غير متناه فكيف يحس المتناهي الوجود في زاويته لكون نظر ذلك العارف إلى الحق لا إلى الغير ( وقال الجنيد « 2 » في هذا المعنى ) أي في معنى ما قال أبو يزيد ( أن المحدث إذا قرن بالقديم ) أي إذا تجلى القديم للحادث ( لم يبق له أثر ) من الوجود لفناء وجود الحادث عند تجلي الذات القديمة له بالصفة القديمة وهذا التجلي لا يكون إلا بالقلب واسع للقديم ( وقلب يسع القديم كيف يحس بالمحدث )

--> ( 1 ) عمر بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه البسطامي ( 475 - 562 ه ) ( ضياء الدّين ) محدث ، صوفيّ ، مفسر ، فقيه ، أديب ، من آثاره : لقطات العقول ، أدب المريض والعائد ، مزاليق العزلة . [ معجم المؤلفين ج 2 ص 575 ] . ( 2 ) الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي الخراز ( ت 279 ه - 910 م ) ( أبو القاسم ) الصّوفي من علماء الدين مولده ومنشؤه ووفاته في بغداد ، كان يعرف بالقواريري نسبة إلى عمله بالقوارير ، وعرف أيضا بالخزاز لأنّه كان يعمل بالخز ، قال أحدهما : حريره ما رأت عيناي مثله ، الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه والشعراء لفصاحته والمتكلمون لمعانيه . وهو أول من تكلم بعلم التوحيد في بغداد . [ الأعلام ج 2 ص 141 ] .